هل تعرف اسم جارك؟
كبر جيلٌ كامل في السعودية وهو ما يعرف الناس اللي ساكنين على بُعد جدارٍ منه. صرنا نعيش في أحياء، بس بدون حي. كل واحدٍ في بيته. وكل ما نعرفه عن الجار… هو سيارته.
ولنتذكر أن جبريل ظلّ يوصي النبيَّ ﷺ بالجار حتى قال:
«ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيُورِّثه»
وقرنه اللهُ بعبادته إذ قال:
﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾
فبدأت أفكّر: كيف صار هذا؟ ليش وصلنا لهالمرحلة؟ وهل أنا وحدي من يمرّ فيها، ولّا كلنا؟
وكل ما فكّرت، رجعت لسؤالٍ واحد: السابقين، كيف كانوا يعرفون بعض؟ وش المكان اللي كان يجمعهم؟
فلقيت الجواب أمام عيني طول الوقت: الجامع.
بس ما هو الجامع أصلًا؟
رجعت أقرأ كيف كان الجامع في صدر الإسلام، واكتشفت إنه ما كان يومًا مكانًا للصلاة وبس.
كان الجامع هو قلب الحي. مدرسةً يتعلّم فيها الناس، ومجلسًا تُحَلّ فيه الخصومات، وبيت مالٍ يُجمَع فيه العون ويُوزَّع على المحتاج، ومكانًا تُعقَد فيه عقود الزواج، ولا يزال أهل المدينة يعقدونها في المسجد النبوي ومسجد قباء إلى اليوم.
كان مكانًا للقاء، والعلم، والتكافل، والفرح والعزاء. كان الجامع هو الحي، والحي هو الجامع.
حتى في صِغرنا، كان الجامع أهمّ بكثير مما هو اليوم. كنا نقضي فيه ساعات، نحفظ القرآن، ونلعب! الجامع القريب مننا كان فيه مكتبة، وحتى طاولة تنس أتقنتها بين جدرانه.
أشوف أطفال اليوم، وأنا كلّي حزن على عاداتٍ ضاعت.
فبدأت أفكّر: وين راحت هذه اللقاءات؟ الاجتماعات؟ الأنشطة؟
والجواب إنها انتقلت… للعالم الافتراضي.
نقلنا أغلب وقتنا أونلاين. نتعلّم فيها، نشتغل فيها، نبيع ونشتري فيها، حتى صداقاتنا صارت فيها. كل شيء صار له بيتٌ على النت…
عدا الجوامع.
فبقي خبر الجامع ورقةً على بابه، ما قرأها أحد. وبقي الإمام لا يعرف جماعته، والجامع فاضي.
فجاني السؤال الأهم: علاقتنا بجيراننا وبجامعنا… وين بتكون بعد عشر سنوات؟
والجواب اللي توصلت له: لابد يكون لها تواجد أونلاين، أو بتستمر بالتلاشي.
فإذا كل شيء لقى بيته الرقمي، فالجامع، أقدم وأقوى شبكة نملكها، أولى بأن يكون له بيتٌ كذلك.
هنا يبدأ بيننا.
نعطي كل جامعٍ صفحته ولكل ما يدور حوله، وكل حيٍّ مكانًا يجتمع حوله من جديد: إعلان الإمام يوصلك لحظة ما يكتبه، فرص التطوّع لأبنائك، المفقودات، سوق الحي بين الجيران، وسؤالٌ تسأله لمن حولك.
بلمسة وحدة، تلقى مجتمعك.
صُنع بيننا.